محمد بن وليد الطرطوشي

61

سراج الملوك

قال وهب بن منبّه : صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ؛ ليستفيد منه شيئا ، فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى ، والفكر لا يفتر ، ثم التفت إليه في اليوم السابع ، فقال : يا هذا قد علمت ما تريد ، حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ، والزّهد في الدنيا رأس كل خير ، والتوفيق تاج كل خير ، فاحذر رأس كل خطيئة ، وارغب في رأس كل خير ، وتضرّع إلى ربك أن يهب لك تاج كلّ خير ، قال : فكيف أعرف ذلك ؟ قال : كان جدّي رجلا من الحكماء ، قد شبّه الدنيا بسبعة أشياء : فشبّهها بالماء المالح ، يغرّ « 1 » ولا يروي ويضرّ ولا ينفع ، وبالبرق الخلّب « 2 » يغر ولا ينفع . وبسحاب الصيف يغرّ ولا ينفع ، وبظل الغمام يغرّ ويخذل . وبزهر الربيع ينضر ثم يصفرّ فتراه هشيما « 3 » ، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه ، فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة ، وبالعسل المشوب بالسمّ الزّعاف « 4 » يغرّ ويقتل . فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة ، ثم زدت حرفا واحدا ، فشبّهتها بالغول التي تهلك من أجابها ، وتترك من أعرض عنها ، فرأيت جدي في المنام ، فقال : يا بني ، أشهد أنك مني وأنا منك ، هي والله الغول التي تهلك من أجابها ، وتترك من أعرض عنها ، قلت : فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا ؟ قال : باليقين ، واليقين بالبصر « 5 » ، والبصر بالعين ، والعين بالفكر ، ثم وقف الراهب ، وقال : خذها منّا فلا أراك خلفي إلا متجردا بفعل دون قول ، فكان ذلك آخر العهد به . قلت : وقد وصف الله تعالى الدنيا وأهلها بصفة أعمّ من هذه الصفة ، فقال سبحانه : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 20 ] ، والكفّار هنا الزرّاع

--> ( 1 ) يغرّ : يخدع . ( 2 ) البرق الخلّب : قالوا : هو السحاب يومض برقه حتى يرجى مطره ثم ينقشع ( فهو من الخلابة والخداع ) . ( 3 ) الهشيم : كل نبات أو شجر يبس وتكسّر . ( 4 ) السم الزعاف : السم المهلك الذي يقتل سريعا . ( 5 ) في ( ط ) بالصبر خطأ .